ابن تيمية
59
مجموعة الفتاوى
يَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا النَّفْيَ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . بَلْ مُرَادُهُمْ : أَنَّهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ أَصْلاً وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ إلَّا عَدَمٌ مَحْضٌ ؛ لَيْسَ هُنَاكَ إلَهٌ يُعْبَدُ وَلَا رَبٌّ يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَلَا خَالِقٌ خَلَقَ الْخَلَائِقَ وَلَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ أَصْلاً هَذَا مَقْصُودُهُمْ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الِاتِّحَادِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ : هُوَ نَفْسُ الْمَوْجُودَاتِ ؛ إذْ لَمْ تَجِدْ قُلُوبُهُمْ مَوْجُوداً إلَّا هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهَا شَيْءٌ آخَرُ وَهَذَا مِن المَعَارِفِ الْفِطْرِيَّةِ الشهودية الْوُجُودِيَّةِ : أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ ؛ أَوْ وُجُودٌ آخَرُ مُبَايِنٌ لَهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ وَأَنَّ الْأَعْلَى هُوَ الْمُحِيطُ . فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ ؛ أَوْ مَوْجُودٌ فَوْقَهُ . فَإِذَا اعْتَقَدُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ وُجُودٌ آخَرُ وَلَا فَوْقَ الْعَالَمِ شَيْءٌ ؛ لَزِمَ أَنْ يَقُولُوا : هُوَ هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ ؛ كَمَا قَالَ الِاتِّحَادِيَّةُ . وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا هِيَ حُجَّةُ الِاتِّحَادِيَّةِ . وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ مَشْرَبُ قُدَمَاءِ الْجَهْمِيَّة وحدثائهم كَمَا يَقُولُونَ : هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي مَكَانٍ . وَلَا يَخْتَصُّ بِشَيْءِ . يَجْمَعُونَ دَائِماً بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إثْبَاتَ مَوْجُودٍ ؛ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَوْقَ الْعَالَمِ . فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعَالَمَ أَوْ يَكُونَ فِيهِ . ثُمَّ يُرِيدُونَ إثْبَاتَ شَيْءٍ غَيْرِ الْمَخْلُوقِ ؛